أيوب المتكبر.. لا يغني لنا


سلمان الحميدي

 نعرف الفنان الكبير من أوتار عوده، أما صورته فنعرفها من أغلفة الأشرطة "الكاسيت"، وكذا من أغانيه المبثوثة في التلفزيون: رجل مثلنا بشارب وكوت وكوفية.
 
نحن القرويون، نعرف مواعيد أغاني أيوب في البرامج الإذاعية، المتشمسات أمام المنازل، العاملات في المطابخ، الرعاة في الجبل، العشاق آخر الليل.
نحن أبناء القرية، نعرف الله، نعرف العرف، نعرف المحاكم، كما نعرف الطريق إلى المدينة.
 
في الوقت الذي كان فيه طارق يرافق والده "بالمشارعة" ومقابلات شخصيات اجتماعية في المدينة والعودة إلى القرية، كان سليمان وإدريس يسرقان مدة من الوقت أحياناً، بعيداً عن الأغنام والشياه، والذهاب إلى اللوكندة لمشاهدة الأفلام والأغاني.
 
كان ذلك قبل سنوات بعيدة، أكثر من 15 سنة.. قبل أن تحدث الثورة ويتطور العالم.
وذات يوم ذهب سليمان إلى المدينة لبيع مناديل القات والدخول إلى المطعم لتذوق الوجبة الغريبة التي يستخدم فيها الطباخون السحر، فيقدمون الفاصوليا ناشفة.
 
عندما خرج سليمان، رأى رجل بشارب وكوت وكوفية، إنه أيوب.. تقدم نحوه، ناداه ولكن أيوب لم يجب.
 
عاد سليمان إلى القرية حزيناً، وأخبر إدريس عن تكبر أيوب وغروره، ولم يتردد إدريس بإلقاء اللوم على سليمان لأنه لم يعرف التعامل مع الموقف وتجليس الفنان الأول في البلاد، وأخبره بالطرق التي ستجعل من أيوب يأنس بهما.
 
في اليوم التالي، ذهب إدريس مع سليمان إلى المدينة، وفي أحد الأزقة كان أيوب واقفاً أمام باب المنزل، كان بشارب وكوفية وكوت وبيده باكورة.
 
تقدم إدريس وسليمان نحوه، بدأ إدريس يدندن: يا حب يا ضوء القلوب..
 
كان يظن إدريس أن أيوب بمجرد أن يسمع منهما الأغنية، سيكملها من تلقاء نفسه. لكن أيوب لم يفعل، طلب منه إدريس أن يكمل الأغنية، لكن الرجل كان مستغرباً منهما وجعد جبهته ولم يقلب بعدها كلمة.
 
مشى سليمان وإدريس، حلل سليمان أن أيوب قد لا يتذكر كلمات هذه الأغنية، عادا ثانية إليه: شاصبر وراعي لك سنين.. لكنه طلب منهما أن يمشيا، هذي القناديل تضوي لمن؟ يا بنات في الحوية، أحبك والدموع تشهد، رمضان يا صائمين، لم يستجب الرجل لأي أغنية، كان يتعامل معهم بغرابة.. غنّ يا أيوب، طلبوا منه، لكنه لوح لهم بباكورته، لاحقهم، ففرا منه.
 
لاشك أن سليمان تشفى بحيل إدريس المتكررة وفشل كل خططه لجعل أيوب يغني، ولا شك أن إدريس قد وافق سليمان على غرور أيوب وتكبره على القرويين، وكما هي العادة في طبائعنا نحن القرويين نخلق احتمالات ومبررات تتضمن الأعذار للذين يتعاملون معنا بكبر أو تغافل ولا مبالاة، نفعل ذلك حتى لخصومنا، كيف لمن نحب، ولمن لا يعرفنا ولكننا نظن أن محبتنا له توجب عليه تقديرنا ولو بلفتة.
 
ومن الاحتمالات التي خففت من وطأة تعامل الفنان مع إدريس وسليمان، أن أيوب اعتزل وتاب ولا يريد العودة إلى ماضيه "يعلم الله موشيكونين الأغاني يذكرنه بما عمل من معاصي".
 
ومع ذلك كان يحزنهما أن أيوب لا يغني لهم لأنهما من القرية.
 
وبما أن طارق، رفيقهم الثالث، اكتسب الخبرة في التعامل مع الشخصيات الكبيرة ومعرفة شوارع المدينة، علاوة على أن بنية الجسمانية أكبر منهما وأسمن، فقد قرر الثلاثة عمل محاولة أخيرة، وكان سليمان وإدريس واثقين أن طارق سيكسر غرور الفنان ويجعله يغني..
 
عند وصولهم الزقاق في شارع المدينة، حيث تعودوا على رؤية أيوب عند باب المنزل، أشر سليمان ناحية الفنان الذي يرتدي الكوفية والكوت وبيده باكورة وعلى شفته شارب أنيق، فالتفت طارق نحوهم متفاجئاً وغاضباً:
"لكم صرع.. هذا سلطان قائد أحمد".
وتقدم نحوه وصافحه مبتسماً، بينما عاد سليمان وإدريس إلى الأغنام والشياه.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر