تحقيق استقصائي لـ «إسوشيتد برس» يكشف كيف ينهب الحوثيون المساعدات بينما يتضور اليمنيون جوعاً (ترجمة)

[ إمراة تجلس مع طفلها في مأوى للنازحين في مدينة إب وسط اليمن (AP Photo/Nariman El-Mofty) ]

نشرت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية تحقيقاً استقصائيا حول عمليات النهب التي تتم من قبل ميلشيات الحوثي للمساعدات الإنسانية والغذاء المقدم من قبل المنظمات الدولية في اليمن منذ بداية الحرب، وكشفت الوكالة عن أرقام مهولة وعمليات نهب واسعة تتم من قبل قيادات الحوثيين ووصفتهم أنهم "يأكلون الغذاء من أفواه الجائعين.
"يمن شباب نت" ترجم نص التحقيق ويعيد نشره كالتالي..



يوماً بعد يوم يذهب "نبيل الحكيمي" وهو مسؤول إنساني في تعز إحدى أكبر المدن اليمنية، إلى العمل وكأن هنالك جبل على عاتقيه فرغم دخول مليارات الدولارات من الغذاء والمساعدات الخارجية الأخرى إلى وطنه الذي دمرته الحرب، الا أنه ومع ذلك لازال ملايين اليمنيين يعيشون على بعد خطوة فقط من المجاعة.

تتدفق عليه التقارير التي تتحدث عن الفوضى التنظيمية والعبث المفرط خلال هذا الربيع والصيف القادم من جميع أنحاء تعز - تم بيعة خمسة الاف كيس من الأرز دون تسجيل المكان الذي ذهبت إليه كما نُهبت 705 سلة غذائية من مستودعات وكالة الرعاية الاجتماعية و110 كيس من الحبوب تم نهبها من الشاحنات التي تحاول شق طريقها عبر المرتفعات الصخرية الشاهقة المطلة على المدينة.

كان من الواضح أن التبرعات الغذائية كانت تنتزع من أيدي اولئك الجوعى.

وتظهر الوثائق التي استعرضتها وكالة "أسوشيتد برس" والمقابلات التي أجريت مع الحكيمي ومسؤولين آخرين ومسؤولي الإغاثة أن آلاف العائلات في تعز لا تحصل على مساعدات غذائية دولية مخصصة لهم - وغالباً ما يتم الاستيلاء عليها من قبل وحدات مسلحة مواليه للتحالف.

وقال الحكيمي لـوكالة اسوشيتد برس "الجيش الذي يجب أن يحمي المساعدات هو من ينهب المساعدات".

وفي مختلف ارجاء اليمن تقوم الفصائل والميليشيات المحسوبة على جميع أطراف النزاع بمنع المساعدات الغذائية من الذهاب إلى مجموعات يشتبه في عدم ولاءها، أو يجري تحويلها إلى وحدات قتالية على الخط الأمامي للقتال أو بيعها للربح من ورائها في السوق السوداء، وذلك وفقاً للسجلات العامة والوثائق السرية التي تم الحصول عليها من قبل وكالة اسوشيتد برس، ومقابلات مع أكثر من 70 من عمال الإغاثة والمسؤولين الحكوميين والمواطنين العاديين من ست محافظات مختلفة.

وتعد مشكلة المعونات المفقودة والمسروقة شائعة في تعز ومناطق أخرى تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والتي يدعمها التحالف العسكري بقيادة السعودية الا أنها أكثر انتشاراً في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون العدو الرئيس للحكومة المتعثرة خلال ما يقرب من أربع سنوات من الحرب التي ولدت أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقد عزا بعض المراقبين ظروف شبه المجاعة الحاصلة في معظم أنحاء البلاد إلى حصار التحالف على الموانئ التي تزود المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون إلا أن التحقيق الذي أجرته "أسوشيتد برس" وجد بأن كميات كبيرة من الأغذية تدخل البلاد ولكن بمجرد أن تصل لا يصل الطعام إلى الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليه - مما يثير أسئلة حول قدرة وكالات الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة الكبرى على العمل بفعالية في اليمن.

ويمتلك برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة 5000 موقع توزيع في جميع أنحاء البلاد يستهدف 10 ملايين شخص شهريًا بسلال غذائية لكنه يقول إنه يمكنه مراقبة 20 بالمائة فقط من عمليات التسليم.


وبعد نشر التحقيق الذي أجرته وكالة الأسوشييتد برس اليوم الاثنين، أصدر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة بيانا يطالب فيه بـ "الإنهاء الفوري للتلاعب بالإغاثة الغذائية الإنسانية في اليمن".

وقال إن تحقيقاته الخاصة وجدت "أدلة على قيام شاحنات بشكل غير مشروع" بنقل الغذاء من مراكز توزيع الغذاء المعينة "في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون. وقالت إن لديها أيضا أدلة على "ارتكاب عملية احتيال من قبل منظمة شريكة محلية واحدة على الأقل" مرتبطة بوزارة التعليم بالحوثيين ومسؤولة عن توزيع المساعدات الغذائية التابعة للأمم المتحدة.

وقال البيان إن البرنامج علم أن العديد من الأشخاص في العاصمة التي تسيطر عليها الحوثيين صنعاء، لم يحصلوا على حصص غذائية يحق لهم الحصول عليها، وأنه في مناطق أخرى "حرم الجوعى من حصصهم بشكل كلي".

هذا العام قامت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرها بضخ أكثر من أربع مليارات دولار من الغذاء والمساكن المؤقتة والمساعدات الطبية وغيرها من المساعدات في اليمن، وهذا الرقم في ازدياد ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع في عام 2019.

وعلى الرغم من زيادة حجم المساعدات، فإن مستويات الجوع - المجاعة - في بعض مناطق البلاد - مستمرة في الازدياد.

ووجد تحليل أجراه تحالف مجموعات الإغاثة العالمية هذا الشهر أنه حتى مع المساعدات الغذائية القادمة، فإن أكثر من نصف السكان لا يحصلون على ما يكفي من الطعام - يقدر عددهم بـ 15.9 مليون من سكان اليمن البالغ عددهم 29 مليون نسمة. ويشمل ذلك 10.8 مليون شخص يعيشون حالة "طارئة" من انعدام الأمن الغذائي، مع حوالي 5 ملايين في مرحلة "أزمة" أعمق مضافاً الى ذلك 63،500 ممن يواجهون "كارثة" أي انهم على شفير المجاعة.

إن إحصاء عدد الأشخاص الذين يموتون جوعاً في اليمن أمر صعب بسبب تحديات الدخول إلى المناطق التي تهزها أعمال العنف، ولأن الأشخاص الذين يتضورون جوعاً غالباً ما يموتون رسمياً من الأمراض التي تفترس ظروفهم السيئة. وتقدر منظمة "أنقذوا الأطفال" غير الربحية أن 85000 طفل دون سن الخامسة قد ماتوا بسبب الجوع أو المرض منذ بداية الحرب.

وفي بعض مناطق البلاد، أدى القتال وحواجز الطرق والعقبات الاعتيادية إلى خفض كمية المساعدات التي تحصل عليها تلك المناطق، وفي مناطق أخرى تدخل المساعدات لكنها لا تزال لا تصل إلى الاسر الأكثر فقراً.

في محافظة صعدة الشمالية (معقل الحوثيين) تقدر مجموعات الإغاثة الدولية أن 445000 شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية. وقد قدمت الأمم المتحدة منذ عدة أشهر، ما يكفي من الغذاء لإطعام ضعف عدد هؤلاء الأشخاص، غير أن أحدث الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الأخرى تظهر أن 65 بالمائة من السكان يواجهون نقصًا حادًا في المواد الغذائية، بما في ذلك ما لا يقل عن 7000 شخص ممن يعيشون مجاعة حقيقية.

وقد أخبر ثلاثة مسؤولين من الحكومة المدعومة من التحالف وكالة الأسوشيتد برس أنهم سيقدمون ردوداً على الأسئلة المتعلقة بسرقة المساعدات الغذائية، لكنهم لم يقدموا إجابات بعد ذلك.

أما المسؤولون في الوكالة التي تشرف على أعمال الإغاثة في مناطق سيطرة الحوثي، وهي السلطة المحلية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية - فلم يردوا على مكالمات هاتفية متكررة من وكالة الأسوشييتد برس.

وقد كان مسؤولو الأمم المتحدة عموما حذرين في التصريحات العلنية حول الحوثيين والتي تستند جزئيا إلى مخاوف من ردة فعل المتمردين الحوثيين التي قد تأتي عبر منع وكالات الأمم المتحدة من الوصول إلى الناس الذين يتضورون جوعا. لكن وفي مقابلات مع وكالة الأسوشييتد برس فقد استخدم مسؤولين اثنين بارزين في الاغاثة التابعة للأمم المتحدة لغة قوية في الإشارة إلى كل من الحوثيين وخصومهم في المعارك.

وقال جيرت كابيلير، مدير قسم الشرق الأوسط في اليونيسف، وصندوق الطوارئ للأطفال في الأمم المتحدة، إن سلطات "جميع الأطراف" في النزاع تعوق جماعات الإغاثة - وتزيد من خطر تحول البلاد إلى مجاعة واسعة النطاق.

وقال كابيلير "هذا لا علاقة له بالطبيعة"، مضيفاً "لا يوجد جفاف هنا في اليمن. كل هذا من صنع الإنسان. كل هذا له علاقة بالقيادة السياسية الضعيفة التي لا تضع مصلحة الناس في صميم أعمالها".

من جانبه قال ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الغذائي إن "عناصر معينة من الحوثيين" يحرمون الوكالة من الوصول إلى بعض أجزاء أراضي المتمردين ويبدو بأنهم يحولون مسار المساعدات الغذائية.

وقال بيسلي في مقابلة مع وكالة أسوشييتد برس يوم الأحد: "إنها وصمة عار وجريمة، إنه أمر خاطئ، ويجب أن ينتهي"، مشيراً بالقول "الأبرياء يعانون".

وقد بدأ المتمردون وقوات التحالف محادثات سلام في الأسابيع الأخيرة، وهي عملية أدت إلى الحد من القتال وخففت من التحديات التي تحول دون وصول المساعدات الغذائية إلى مدينة الحديدة وخارجها، حيث يعد الميناء بوابة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في الشمال. ومع ذلك فحتى إذا تمكن المانحون من الحصول على المزيد من الغذاء، فإن مشكلة ما يحدث للمعونة الغذائية تحدث بمجرد أن تصل إلى اليابسة.

"الفقراء لا يحصلون على شيء"

قام الحوثيون بإغلاق طريق الوصول الرئيسي إلى تعز مما جعل من الصعب على مجموعات الإغاثة ادخال الطعام والإمدادات الأخرى إلى المدينة.

وفي مناطق سيطرة المتمردين الحوثيين يقول المسؤولون وعمال الإغاثة بأن المتمردين الحوثيين يستخدمون القوة للسيطرة على تدفق المساعدات الغذائية، كنا يضغطون على عمال الإغاثة الدوليين بتهديدات بالاعتقال أو النفي، ونصب نقاط تفتيش تطلب دفع "ضرائب جمركية" على الشاحنات التي تحمل المساعدات وتحاول التحرك عبر أراضي المتمردين.

وقال عبد الله الحامدي الذي شغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم بحكومة الحوثيين قبل انشقاقه "منذ وصول الحوثيين إلى السلطة والنهب يجري على نطاق واسع" وأردف "هذا هو السبب في أن الفقراء لا يحصلون على شيء. ما يصل حقا إلى الناس هو القليل جدا".

قال إنه في كل شهر في مدينة صنعاء التي يحكمها المتمردون، كان يتم تحويل ما لا يقل عن 15 ألف سلة غذائية كان من المفترض أن تقدمها وزارة التعليم إلى الأسر الفقيرة، إلى السوق السوداء أو كان يجري استخدامها لإطعام رجال ميليشيا الحوثي الذين يخدمون في الخطوط الأمامية للقتال.

ويتم تخزين وتوزيع نصف السلال الغذائية التي يوفرها برنامج الغذاء العالمي للمناطق التي يسيطر عليها الحوثي، من قبل الوزارة التي يرأسها شقيق الزعيم الأعلى للمتمردين.

وقال معين النجري، مدير تحرير صحيفة "الثورة" اليومية التي يسيطر عليها الحوثي لوكالة "أسوشيتد برس" إن الصحيفة علمت الأسبوع الماضي أن مئات من موظفيها قد تم إدراجهم بشكل زائف منذ أكثر من عام على اعتبار انهم تلقوا سلالًا غذائية من وزارة التربية والتعليم. وقال إنه ليس من الواضح أين ذهبت تلك السلال الغذائية، لكن من الواضح أن القليل فقط من موظفيه تسلموها.

وبالنسبة لثلاثة أشخاص آخرين على إطلاع ببرامج الإغاثة في مناطق سيطرة الحوثي فقد أفادوا "أنهم كانوا على علم بسلال غذائية تم تحويلها بطريقة مزيفة من قبل وزارة التربية والتعليم. وقد تحدث الأفراد الثلاثة والكثيرون ممن تمت مقابلتهم حول هذه القصة بشرط عدم الكشف عن هويتهم، وذلك بسبب مخاوفهم من أن يعمد المتمردون لعرقلة برامج المساعدات أو رفض منحهم رخص العمل. 

وقال مسؤول كبير في الأمم المتحدة طلب عدم الكشف عن هويته، لوكالة أسوشييتد برس أن مساعدات كافية تأتي إلى البلاد لتلبية مطالب أزمة الجوع، ولكن الكثير منها تتم سرقتها. وقال "إذا لم يكن هناك فساد، فلن توجد مجاعة".

الاسواق السوداء

في جميع أنحاء اليمن، الغذاء الذي من المفترض منحه مجانا للأسر المتضورة جوعاً، ينتهي المطاف به معروضاً للبيع في الأسواق.

وقد قامت وزارة الصناعة الحوثية بتوثيق مئات الأكياس من دقيق برنامج الأغذية العالمي التي يتم بيعها تجاريا ًبعد إعادة تجميعها من قبل التجار، وفقا لأبو بشر الذي شغل سابقا منصباً في أعلى الوزارة. ويقول بشر وهو الآن عضو في البرلمان الذي يسيطر عليه المتمردون، إن كلا الجانبين في الحرب يتحملان مسؤولية الفشل في ما يتعلق بمنع تحويل المساعدات الغذائية.

ويظهر مقطع فيديو في عام 2017 حصلت عليه وكالة الأسوشييتد برس أسواق مزدحمة في مدينتي تعز وعدن لا يخجل البعض فيها من إعادة تعبئة المساعدات الغذائية المسحوبة - وبيع زيت الطبخ والطحين الذي يوجد عليه شعار برنامج الغذاء العالمي التابع لبرنامج الأغذية العالمي. وقد رصد صحفيو وكالة الصحافة الأمريكية اسوشيتد برس في اليمن هذا الربيع والصيف أمثلة أخرى على الغذاء الذي يحتوي شعارات برنامج الأغذية العالمي وغيره من مجموعات الإغاثة العالمية، والتي تباع في الأسواق في كل من مناطق سيطرة الحوثي ومناطق التحالف ايضاً.

وقال فضل مقبل، رئيس مجموعة المناصرة المستقلة الجمعية اليمنية لحماية المستهلك: "لقد عثرنا على مخازن كاملة مليئة بمعونات الأمم المتحدة".

ولأن الحرب دمرت اقتصاد البلاد، فإن العديد من اليمنيين لا يملكون وظائف أو أموال كافية لشراء الطعام من المتاجر حيث قال الحكيمي، الذي عمل خلال معظم هذا العام كمدير تنفيذي للجنة الإغاثة المحلية التابعة للحكومة التي يدعمها التحالف في تعز، إن اليمنيين سيحتاجون إلى أكثر من المساعدات القصيرة الأجل. فهم بحاجة إلى المساعدة لإعادة بناء اقتصاد البلد وخلق فرص عمل تسمح للأسر بشراء طعامها.

وعندما طلب المسؤولون في تعز من الحكيم أن يتولى منصب مدير لجنة الإغاثة، كان يأمل في أن يتمكن من المساعدة في تغيير أزمة الجوع التي بدأت تتراكم في المدينة منذ بدء الحرب، لكنه سرعان ما اكتشف حجم التحديات التي تواجهه.

وتنقسم السلطة السياسية في تعز بين الميليشيات التي تم ضمها في القوات المسلحة الوطنية اليمنية ولكنها تواصل التنافس مع بعضها البعض للحفاظ على سيطرتها على قطاعات المدينة التي تسيطر عليها.

وقال الحكيمي "هنا، الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف أي شخص تأتي عن طريق السلاح " متسائلاً "من يحصل على قوائم المستفيدين؟ انهم أولئك الذين لديهم أسلحة، أما الفقراء والأكثر بؤسا والضعفاء فلا يستطيعون تسجيل أسمائهم في قوائم المستفيدين، ولذا فإن المساعدات تذهب إلى الأقوياء".

نصيب الأسد 

حملات القصف التي قام بها التحالف وحرب العصابات الجارية على الأرض، دمرت المنازل والمصانع والأشغال المائية ومحطات الطاقة وأسفرت عن مقتل أكثر من 60000 من المقاتلين والمدنيين. وقد نزح أكثر من 3 ملايين شخص مما زاد الطلب على الغذاء وغيره من المساعدات من خارج البلاد.

وفي دراسة استقصائية أجريت عام 2017 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، قال ثلثا النازحين اليمنيين الذين تجاوبوا مع الدراسة إنهم لم يتلقوا أي مساعدات إنسانية، بالرغم من أن الأشخاص الذين أجبروا على ترك منازلهم كان من المفترض أن يكونوا هدفاً رئيسياً لجهود الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.

وفي مخيمات النازحين في منطقة أسلم الشمالية التي يسيطر عليها الحوثيون، يعيش الأطفال والأمهات حفاة الاقدام وقد تقلصت أجسامهم لتلتصق بجلودهم مبرزة لعظامهم وهم يعيشون في الخيام والأكواخ المصنوعة من العصي والمسوح. وتلك المخيمات ليست بعيدة عن القرى حيث ذكرت وكالة أسوشييتد برس في سبتمبر أن الاسر كانت تحاول درء المجاعة من خلال أكل أوراق الشجر المغلية.

وتقدر منظمة الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة العالمية أن 1.5 مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية، بما في ذلك 400000 إلى 500000 يعانون من "سوء التغذية الحاد الشديد" الذي يهدد حياتهم.

وقد توفي ناصر حافظ، البالغ من العمر عاماً واحداً، وكان يعيش مع أسرته في مخيم اسمه المطيهرة، في 12 كانون الأول / ديسمبر جراء سوء التغذية ومضاعفات أخرى في مستشفى تديره منظمة أطباء بلا حدود وقد استمر في حالة غيبوبة لمدة خمسة أيام قبل أن يستسلم جسده الصغير.

وقد انتقل والده و16 من أفراد عائلته ست مرات على الأقل منذ بداية الحرب. وقبل ذلك، قال الأب، إنه كان خياطًا يكسب ما يكفي لإطعام أسرته باللحم والدجاج والخضروات. وقال إنه لم يتلق سلة غذائية واحدة من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.

وقال ايضاً "إنهم يسجلوننا كل شهر وربما يصل إلى خمس مرات، لكننا لا نحصل على أي غذاء".

وذكر بأن اسرته حصلت على تحويلات نقدية كل بضعة أشهر تساوي 50 دولارا من منظمة الإغاثة أوكسفام. وقال إن نصف هذا المبلغ تقريبا هو ما يكلفه شراء 50 كيلوغراما من القمح التابع لبرنامج الأغذية العالمي من السوق، والذي لا يدوم لعائلته سوى أسبوع أو أسبوعين.

يفرض المتمردون الحوثيون سيطرة صارمة على كمية الغذاء التي تذهب إلى المناطق والأشخاص الذين يحصلون عليها ويتلاعبون بالقوائم الرسمية للمستفيدين من خلال منح معاملة تفضيلية لمؤيدي الحوثي وعائلات الجنود القتلى والجرحى، وذلك وفقاً لعمال الإغاثة والمسؤولين.

وقال بشر، عضو البرلمان الذي يسيطر عليه الحوثيون: "بعض المناطق في اليمن تأخذ نصيب الأسد بينما تحصل المناطق الأخرى على قدر ضئيل".

وقد أخبر خمسة من عمال الإغاثة وكالة أسوشييتد برس أنهم يعتقدون أن منظمة الأمم المتحدة والجماعات الدولية الأخرى قد أجبرت على التضحية باستقلاليتها من أجل البقاء مسموحاً لها بالعمل وهم يحاولون توصيل المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

وقال مسؤول كبير في الاغاثة بأن الحوثيون "يهددون صناع القرار والموظفين الدوليين من خلال التصاريح وتجديد التأشيرات" مضيفاً "أولئك الذين لا يمتثلون سوف يتم رفض تأشيراتهم".

وقال إنه اكتشف أن موظفيه كانوا يطلعون الحوثيين عن محتويات محادثاته ورسائله الإلكترونية وقال إنه عندما اشتكى من التجسس، سحب المتمردون تأشيرته وأجبروه على مغادرة البلاد.

وقال بيزلي، المسؤول البارز في برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، إنه يعتقد أن بعض المتمردين الحوثيين ممن يشغلون مناصب بارزة يهتمون برفاهية العائلات المتعثرة ويعملون بشكل جيد مع وكالته لكن هناك آخرون "لا يهتمون بالناس".

وقال "في أي وقت تكون فيه في منطقة حرب، هناك وضع صعب ومن الواضح أنه عندما يتعلق الأمر بالأمم المتحدة فنحن محايدين". ولكن عندما يتعلق الأمر بالتأكد من وصول المساعدات الغذائية إلى الأشخاص الذين يحتاجونها، فحينها "لا يمكننا أن نكون محايدين. نحتاج لأن نتكلم بأقوى صوت وندين بكل الطرق".

الصراع في تعز

حتى قبل تولي الحكيمي منصب مدير لجنة الإغاثة في تعز، اشتكى مسؤولون ونشطاء من المؤامرات والاعتداءات المتعلقة بالأغذية الاغاثية.

وفي أيلول / سبتمبر 2017، أرسلت لجنة الإغاثة تحذيراً إلى مركز الملك سلمان للمساعدات الإنسانية والإغاثة، وهي مؤسسة خيرية تديرها الحكومة السعودية وأحد الجهات المانحة الرئيسية في اليمن.

 وقالت الرسالة إن العديد من 871000 سلة غذائية من التي يزعم مركز الملك سلمان أنها قدمت إلى تعز والمناطق المحيطة بها كانت "مفقودة ومجهولة." كما قالت إن المجموعات المحلية التي كان من المفترض أنها توزع الطعام ترفض الإجابة عن أسئلة اللجنة في محاولة منهم على ما يبدوا لضمان أن "لا تظهر الحقيقة أبداً" حول أين يذهب الغذاء.

في ربيع عام 2018، تحولت الحكومة في تعز إلى الحكيمي، الذي يحمل شهادة الدكتوراه في التخطيط للتنمية الاستراتيجية ولديه سنوات من الخبرة في تدريب عمال الإغاثة حيث قال ثلاثة من عمال الإغاثة في تعز لوكالة أسوشييتد برس إن الحكيمي معروف بأنه شخص مبدئي لا يوافق على ابرام صفقات الفساد وقد تولى المنصب بعد أن قدم للجنة قائمة تضم 14 شرطًا تهدف إلى معالجة العيوب في نظام توزيع المساعدات بما في ذلك اشتراطه موافقة اللجنة على جميع عمليات تسليم المساعدات في تعز.

إحدى المشاكل التي واجهها الحكيمي وعمال الإغاثة الآخرون كانت الحصار الجزئي للحوثيين على المدينة. فالحوثيون - الذين استولوا على تعز في ربيع عام 2015 ولكن تم طردهم من قبل قوات التحالف في أواخر عام 2016 - ما زالوا يسيطرون على الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى المدينة وهو ما يبطئ نقل المساعدات إلى المدينة ويحدد نسبة المساعدات التي يمكن أن تدخل.

وعلى الرغم من التحديات، حقق ببعض الانجازات بعد أن بدأ وظيفته الجديدة. وفي إحدى الحالات وصل إلى قائد عسكري ونجح بإعادة 110 كيسًا من الطحين تم اخذها من الشاحنات في المرتفعات شمال المدينة. لكن في معظم الحالات، بمجرد ان يتم اخذ المعونة، تكون قد ذهبت وإلى الأبد.

وفي أوائل حزيران/ يونيو، طالب الحكيمي ومسؤول محلي اخر، ولكت دون جدوى بأن تقوم وحدة من الجيش تعرف باسم اللواء 17 بإرجاع 705 سلة غذائية تم اخذها من مستودع - بالإضافة إلى "السلاح الشخصي" للحارس الذي كان يحاول حماية البضائع.

وقال الحكيمي "تحدثت مع الجميع، لكن لم يكن هناك أي إجراء". مضيفاً "لقد تصرف القائد وكأنه ليس مسؤولاً".

 وينفي العميد عبد الرحمن الشمساني، قائد اللواء 17، أن وحدته أخذت السلال الغذائية. وقال لـ "اسوشتد برس" إن المستفيدين الذين سئموا من الانتظار قد "هجموا " على المستودع وأخذوا الغذاء الذي كان موجها لهم على أي حال.

ومع تراكم المشاكل، استهدف الحكيمي موجة من الشكاوى على مسؤولي الحكومة والضباط العسكريين. وفي رسالة إلى قائد أعلى في الجيش وقائد للأمن الداخلي كتب يقول "هذا يتعلق بإهمالك في عدم اتخاذ التدابير اللازمة لإعادة مساعدات برنامج الغذاء العالمي المنهوبة".

وقال إنه إذا لم يعتقل الجناة سريعاً وبالتالي عودة المسروقات في غضون 24 ساعة، فإنه سيحملهم "المسؤولية الكاملة عن حرمان تعز من المعونة" وعن "أي كارثة إنسانية في تعز". وقال الحكيمي إنه لا يوجد رد.

وبحلول سبتمبر كان قد تعرض ما يكفي من المصاعب. وقال الحكيمي لوكالة اسوشيتد برس "من المهم جداً القيام بهذا العمل - ولكن من المهم أيضاً امتلاك القوة والسلطة للقيام بذلك".

وقد حاول الاستقالة، لكن أحد كبار قادة المدينة تحدث معه للعدول عنها، واعداً بأن المسؤولين سيعالجون المشاكل، ولفت الحكيمي "إنه لم يتغير شيء. لذلك في أكتوبر قدم استقالته نهائيا"

وبعد شهرين، قدر تحليل أجراه معهد الأمم المتحدة وشركاؤه في مجال المساعدات أن 57 في المائة من سكان تعز يواجهون انعدام أمن غذائي على مستوى مرحلة الطوارئ أو مرحلة الأزمة. ويقول بأنه في نهاية العام ما يصل إلى 10500 شخص في تعز وحولها يعيشون ويموتون في مناطق اجتاحتها مجاعة كاملة.


- فيديو :


مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر